Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

 

أوستراليا والمهاجرين الأفغان 

في العام المنصرم 2001 م ثارت عاصفة  سفينة الشحن النرويجية تامبا التي قامت ومن منطلق إنساني بإنقاذ مركب به أكثر من أربعمائة من الللاجئين الأفغان وحملتهم لأقرب شاطئ على اليابسة وكان جزيرة الكريسماس الأسترالية وقبل أن تصل السفينة الغير مؤهلة لحمولة كهذه  فارت دماء الأستراليين وغلت وأعترضوا السفينة بكل ما يملكون من عتاد وسلاح مهددين ومزمجرين .. وشاعت الأخبار وعلت الصيحات والاستغاثات ونذكر أن من هذه الصيحات  ندآءت مؤثرة للسيدة ماري روبنسون المفوضة الدولية لحقوق الإنسان حيث ذكَرت الأستراليين بجذورهم وبمساحة بلدهم الشاسعة  ثم أنهم مع حلفائهم الغربيين يتحملون وزر ما حدث للأفغان من تشريد  ومآسي … ولكن عناد  ورعونة جون هوارد رئيس وزراء أستراليا المحافظ لم يكل ولم يفل وأقسم (ربما بالطلاق) على عدم السماح لهؤلاء البشر  بالدخول لأستراليا وكرر وردد أمام ناخبيه ومؤيديه الذين تناسوا ماضي أجدادهم الحافل بالجريمة .. وتضامن المحافضون مجازا ورصوا صفوفهم خلف زعيمهم جون هوارد ولم تفلح الندآءت بثنيهم (أقسموا أن لا يدخلنها عليهم مسكين )، وبعد جهد جهيد سمحت أستراليا بإنزال اللاجئين مؤقتا ريثما يتم استيعابهم في بلدان أخرى  تدبرت أمرها أستراليا  فيتم إرسال جزء منهم لجزيرة غينيا بابوا  الشهيرة بماضي سكانها البدائيين بالأدمة أي أكل اللحم البشري ، أما الجزء الثاني فيرسل لجزيرة ناراو التي لاتكاد تظهر على الخريطة لصغر حجمها ثم شهرتها العالمية بغسيل أموال العصابات الدولية وكازينوهات القمار .. وأصبح الهاربون من جحيم الحروب بأفغانستان كالمستجير بالرمضأ من النار ، لم يشفع للأفغان ماضيهم العريق ومساهمتهم باكتشاف مجاهل أستراليا  في الماضي ولا مساهمتهم الحيوية الفعالة  بالعصر الحديث بتحطيم الأسطورة السوفيتية  لمصلحة الغرب الرأسمالي الذي تنتمي إليه أستراليا ، ولم تمض سوى بضعة أشهر حتى يجدد الأستراليين ثقتهم بجون هوارد وبقيادته  المتشددة التي  أقامت المعسكرات والقلاع الحصينة واستعانت بأحدث التقنيات  لتصد أي محاولة لدخول


أمين محسن أبوطالب

وشتائها المعكوسان ،  ثم تقاعدت عن الخدمة تاركة المجال للقطارات والعربات السريعة ، وبحكاية الجمال الأسترالية نعرف أن الأفغان وكما تشير المصادر تواجدوا بأستراليا بالقرن التاسع عشر  وأنهم قدموا خدمات استكشافية قيمة استفاد منها مجتمع الموستطنين الأول    0 

أدرك الأستراليين تميز موقعهم الجغرافي النائي الذي نأى بهم عن كثيرا من متاعب أقربائهم الأوربيين وأتون حروبهم الطاحنة  ، لكن أستراليا وفرت مرافئ آمنة لحلفائها ولاسيما الوطن الأم بريطانيا ، ونعمت أوستراليا بالهدوء رغم حنين سكانها وحبهم للمغامرات والحروب خارج وطنهم ، فالأستراليين رغم قلة عددهم  نسبيا لم يبخلوا على حلفائهم بالاشتراك بأي حرب يخوضونها فقد اشتركوا خلال  الحربين الكونيتين بجانب بريطانيا بلد أجدادهم ثم مع الغرب بصفة عامة خلال حرب كوريا وفيتنام وغيرها  حتى أفغانستان ، وكان لموقع أستراليا المتميز أثرا بارزا خلال الحرب الكونية الثانية فقد مثلت القاعدة والمستودع والسند والملجأ الآمن ، ومنها نظم الجنرال ماك أرثر صفوف جيوشه للانقضاض على اليابان التي كانت قد احتلت شرق آسيا وزحفت بإتجاه أستراليا لكنها توقفت بجزيرة غينيا بابوا التي كان لسكانها الأشاوس والشرسين والبدائيين دورا غير عادي بدحر اليابانيين حيث ساندوا حلفائهم الأستراليين بإفتراس أعدائهم ثم إلتهامهم  ، وهذه الجزيرة تلعب دورا حيويا لصالح أستراليا حيث تشكل حاجزا  يفصل أستراليا عن الأرخبيل الأندونيسي  المكتض بمائتي مليون نسمة جلهم من المسلمين ، وقد عملت أستراليا  على بناء حاجزا احتياطيا آخر يتمثل بتيمور الشرقية  ، ونتمنى أن يطمئن الأستراليين وأن يكفوا عن التفكير بمزيد من الحواجز ، وليطمئن الأستراليين بعددهم الذي يقل عن عشرين مليون أبيض ويسيطرون على شبه قارة مساحتها تقارب ثمانية مليون كيلومتر مربع  على مستقبلهم الرغيد وعدم تسلل من ينغص عيشهم وبالطبع من غير البيض  ، وأستراليا دائما تشجع الهجرة إليها ولكن بشكل انتقائي .. فغالبا ما يقدمون إغراآت لبني جلدتهم الأنكلوساكسون أولا ولكنهم يغضون الطرف عن أي مهاجر أبيض آخر وحتى من السلاف وما عداهم فيجب توفر ثروة من الدولارات مع شهادات عليا واحتمال الرفض وارد إن لم يكن حتميا .. ولعلنا نذكر برحلة قام بها رئيس وزراء أستراليا في الستينات من القرن الماضي إلى أوروبا والتي كان هدفها الرئيس جلب مهاجرين جدد وخلال مروره بفيينا بالنمسا أعطى مغريات لمن يفكر  بالهجرة إلى بلده  وبالطبع حسب المعايير الأسترالية وعاد رئيس الوزراء في تلك الفترة دون أن يحقق أهدافه لأن أوروبا الغربية كانت ترفل في حلة من الرخاء الاقتصادي ، لكنه تقبل مهاجرين من شرق أوروبا رغم اختلافهم أيدلوجيا .. واسترخى الزعيم  في رحلة استجمام على أحد الشواطئ ببلاده في جو مشمس دافئ به النسيم العليل والهدؤ نعيم يغبطه عليه أقربائه الأوروبيين حيث يغطي الثلج والصقيع كل شئ … لكن وفي خطوة غير متوقعة يختفي الزعيم ويفهم فيما بعد أن سمكة قرش قد التهمته ولم تعبأ بألقابه ونياشينه  ، وهذه السمكة ربما خالفت القاعدة المعمول بها عن سلوك سكان أستراليا الأصليين من حيوان وبشر ،   تجاهلت سمكة القرش  سلوك الخنوع والخضوع  وتخلصت من كل خوف ورهبة خلفها الرجل الأبيض وقررت ببسالة وربما عن إصرار وترصد الثأر للأبورجيين لتصيب  من البيض مقتلا بأكل رأسهم 0

وقبل أن نخوض مجددا بموضوعنا أستراليا والأفغان الذي استلهمناه من قصة السفينة النرويجية تامبا ولاجئيها الذين كانوا ضحيا تصادم المصالح الدولية وتطاحن القوى العظمى وتصارعها والذي كان الأفغان ضمن اللاعبين المنفذين ولكن يتم تحريكهم بالريموت أو بالتحكم عن بعد … أستراليا سبق لها موقف آخر مع من تحالفوا معها من غير البيض ففي فيتنام دخلت أستراليا الحرب كحليف رئيسي فعال مع أميركا .. ومع أن الحلفاء أحرقوا الأخضر واليابس ولم تسلم من الإبادة حتى أوراق الأشجار حيث ضخوها بالكيميائيات حتى لايختبئ الفييت كونج (الشيوعيين الفيتناميين) تحتها  وسممت البيئة وماتت الأسماك بتلوث المياه في الأنهار .. وفي النهاية فاز بالرهان الفيتناميين وبمساندة الرفاق آنذاك و تقهقر الحلفاء يجرون أذيال الخزي والعار بهزيمة ثقيلة ومنكرة .. وتحتم على الفيتناميين أنصار الحلفاء الغربيين الرحيل طلبا للنجاة  وأمتلئت البحار قبالة سواحل فيتنام وبحر الصين بقوارب اللاجئين واحتدمت الأزمة وفسرت أستراليا وحلفائها وجود هذا العدد الهائل من اللاجئين بأن أكثرهم هرب للبحث عن حياة أفضل  أي أنه يريد وضعا معيشيا أفضل من فيتنام ويعتقد أنه قد يجد ضالته في الغرب المزدهر اقتصاديا ، وبهذا العذر الواهن أوصدت أستراليا أبوابها أمام هؤلاء …. لكنها أي أستراليا  وحلفائها ما فتئت تلوم وتندد بماليزيا وإندونيسيا وتتهمهما بعدم الإنسانية والتعاون لعدم سماحهما لقوارب الفيتناميين بالرسو في مياههما .. وعلى كل وحسب ما سمعناه من أخبار كانت تلك القوارب تتجه للمياه الدولية وتتعرض للسفن الأمريكية والغربية بشكل خاص عنوة حتى ينتشلوا ركابها كما تقتضيه الأعراف والاتفاقيات الدولية  ومن ثم يجب عليهم استضافتهم ..

 

 

 علاقة قديمة ربطت بلاد الأفغان (أفغانستان) بأستراليا أو الجزيرة القارة المترامية الأطراف التي أكتشفها الرجل الأبيض وخطط لمستقبلها بعناية وببعد نظر  ، ونعرض أولا شيئا من المعلومات عن هذا البلد : فمنذ أن وطئت أقدام البحار الإنجليزي كابتن كوك وبحارته الأرض الجديدة  في العام 1770م جرت محاولة التوطين الأولى وكانت الموجة الأولى من المستوطنين البيض الذين رُحَلوا إليها قسرا كمنفيين ، و هؤلاء يمثلون عتاة المجرمين الميئوس من صلاحهم بمجتمعهم الأصلي بريطانيا العظمى ، وبهذا المنوال أستمر تدفق هذه الموجات البشرية للأرض الجديدة ، ولم تخب جهود المخطط  فقد توطن هؤلاء الجانحين وتشبثوا بعلم الوطن الأم للحماية والمنفعة المتبادلة ، وأحرزوا نجاحا ببناء مجتمع جديد ونبشوا الأرض بحثا عن خيرات الوطن الجديد وجنوا ثمارها فذاعت الأخبار وانتشرت عن هذا الكنز الجديد والفتح المبين الذي منت به السماء  ،  وبالطبع كانت أوربا تعيش حمى عصر الاستكشافات ، وتسابق الكثير من أهل المال والجهد و الطامحين بالثراء السريع للحاق بالركب والفوز بالغنائم حيث أنظمت بحماس  أعداد من الأسوياء من مهنيين وتجار .. ونمت أستراليا وبنت بحرص مجتمعا أوروبيا أبيض في أقصى جنوب الأرض وبعيدا آلاف الأميال عن أوروبا 0

وبالطبع لم تكن أستراليا خالية من البشر عند إكتشافها بل كان يتواجد بها سكانها الأصليين وهم الأبورجيين بشر بدائيين جدا من أهل البشرة الداكنة حفاة عراة حياتهم تشبه حياة البشر بالعصر الحجري تماما ، وهؤلاء البشر رغم بدائيتهم مسالمين لحد السذاجة  ، أسلحتهم عصي من أغصان الأشجار ، يتناغمون مع بيئتهم وما حولهم من الحيوانات والطيور بانسجام تام .. أستقبل هؤلاء البسطاء جحافل المستوطنين بفضول الأطفال ورقصوا لهم وقدموا لهم ما أعتقدوه كرم وفادة من سحالي مشوية أو كناغر وطيور حية إذ كان بإمكانهم الإمساك بها يدويا ، ويعني حتى الحيوانات بأستراليا في تلك الحقبة لم تكن تتأبط شرا أو تتوقع سلوك عدائي لحد أن أكثر الطيور  بأستراليا  كانت تعشش وتبيض على الأرض الجرداء لأنها لم تتوقع ما يقض مضاجعها ويعتدي على سلامها ويهدد أمنها وقد انقرضت الكثير من فصائل  الحيوانات والطيور منذ وصل الرجل الأبيض ، ، وبمجرد أن توطدت أقدام الغرباء باشروا بإقامة المستمعرات  والاستيلاء على الأراضي الخصبة  وزحفوا على كل شئ وأحرقوا الغابات وعمدوا إلى إجلاء الأبورجيين عن أراضيهم  قسرا بسل السيوف على رقابهم وسحلهم بحوافر الخيل التي لم يكن قد عرفها الأبورجيين وخالوها مردة وشياطين .. ويتحد الغزاة  الطامحين والجانحين ببنادقهم ومدافعهم وخيلهم وبماركة السلطة ودعمها للإغارة على هؤلاء البدائيين والتنكيل بهم ليتم إبادة شعوبا وقبائل أطفالها نسائها وشيوخها لم تأخذهم رأفة أو رحمة بأي من حاملي العصي أو الحجارة  من أهل البشرة السمراء  ، ونجت من تلك المهلكة قلة حوصرت في نطاق ضيق أشبه بحدائق الحيوان أو تسمموا بما جلبه الرجل الأبيض من أمراض كالطاعون أو سموم كالكحوليات وغدو غرباء في أرضهم  أو استسلموا كأرقاء يعملون لحساب المستوطنين .. وأستتب الأمر للمهاجر الأبيض وأستفرد لوحده بالغنيمة أو الوجبة الدسمة التي إسمها أستراليا وانبرى للذود عنها بحرص وحمايتها من أي لون بشري آخر 0

وآتت الأرض البكر ثمارها وفتحت المناجم وتدفقت منها المعادن والجواهر وساد الأصفر الرنان (الذهب) على أفكار المجتمع وسلب لب المغامرين وفتحت الشهية والشره ، لكن اتساع وتباعد الأرض دعت  إلى طلب  المساعدة لاكتشاف مزيدا من مكامن الثراء بالمناطق النائية والمجاهل ومنها شبه الصحراوية ، وهنا برزت الحاجة لسفينة الصحراء (الجمل) ولكن الأوروبيين لم يكن لديهم الإلمام بتسيير هذا الحيوان الشامخ الرأس والشديد المراس ، وكان عليهم طلب المعونة من أقاربهم المتمركزين بالهند بحكم أن الجميع يتبعون علما واحدا ، وكانت الاستجابة من حكومة الهند البريطانية آنذاك بأن شحنت مجموعة من الإبل ثم أرفقتها بجمالين يحسنون التعامل مع هذه الحيوانات النبيلة  وهم من الأفغان ، وبهذا وصل أول فوج أفغاني لأوستراليا وإن لم يكن مهاجرا تقليديا لكنهم ضرورة فرضتها الجمال التي بفضلها تعمق الإنسان الأبيض بمجاهل أستراليا و حصد المزيد من الغنائم ، والجمالين الأفغان كانوا أول فوج يصل لأستراليا من غير البيض ، ولم يندمجوا بسهولة بجمتعها للتنافر الثقافي وتكوينه العنصري  (مجتمع أستراليا )ثم انحدار معظمهم من سلالات عتاة المجرمين ، وعاد جزأ من الأفغان لوطنهم وأندمج آخرون بمجتمع أستراليا وذابوا به قسريا ، أما الجمال فتناسلت وتكاثرت ولم تعر اللون أو المجتمع أي إهتمام يذكر وبقيت تتنقل بالبراري الأسترالية البعيدة  عن المستوطنين مسترخية لا ينغص صفو حياتها شئ ولم تحاول تقليد قفزات حيوانات الكنغر حيوان أستراليا القومي الذي لا يبدو أنه مارس أي أعمال عنصرية ضدها  فهو أي الكنغر تركت هذا الأمر المقيت ببساطة للإنسان  فقط ومن حسن حظها (الإبل) عدم معرفة المستوطنين بفوائد لحومها وألبانها وحتى جلدها ووبرها ، وتأقلمت الجمال  مع أجواء أستراليا وبيئتها بصيفها

 

 

 

نشرتها صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بالعدد 8443 بتاريخ 9يناير 2002