|
من ملامح الحضارة اليمنية |
|
|
ومهما
تكلمنا أو كتبنا نكون عاجزين عن رصد مميزات ذلك الإنسان المتحضر في فجر التاريخ المبكر .. والأمر
متروك للمتخصصين لإبراز ذلك الدور الحضاري الإنساني العظيم والرائد . حضارتنا
الأصيلة في جوهر فلسفتها حضارة عقلانية ، أي أنها لم تعط إهتماما يذكر
للخرافة والأساطير ولم تؤمن بالمستحيلات ! ففي اليمن موطن هذه الحضارة لم
يكن هناك تقديس للموتى أو المدافن أو البحث عن الخلود الأبدي بتعمير مقابر طراز خمسة نجوم كما ساد في
الحضارة الصينية أو ما قام بتشييده الفراعنة وما يعرف بالأهرامات ، ذلك
العمل المضني الذي أستمر عشرات السنين لكل هرم والهدف أن يكون قبرا متميزا للفرعون وأسرته والذي سخر
في سبيل ذلك أمة بأكملها لهذه الغاية . الحضارة
اليمنية لم تقدم قرابين بشرية كما كانت تقوم به شعوب أوروبا المتوحشة آنذاك ، ومن مميزات حضارتنا
أنها تقليديا وسلوكيا تنأى عن إذلال أمم البشر واستعبادهم حتى عندما تكون في غاية القوة والتمكن
والسيطرة .. كان التنوير الفكري والمادي هو السائد العنف
يكاد يكون في حده الأدنى لدى اليمنيين وأدبياتهم وثقافتهم القديمة وحتى
الحديثة ، فلنا أن نعرف أنه لم تكن هناك العاب ومبارزات دامية أو التلذذ بالعنف وصراع الحيوانات
ومن هنا يبرز السلوك الإنساني المتمدن ، كانت من حين لآخر يتم عملية
السخرة وهو ما يعرف حاليا بالتجنيد الإجباري .. ويتم جمع المواطنين للعمل الإجباري
لكنه لبناء مدرجات ترابية لزرعاتها أو تشييد سدود وقنوات للمياه أو شق
طرقات .. ونرى أن كل ذلك يصب في إناء المصلحة العامة للأحياء بالطبع . وكما
أعجب وأفتخر بذلك الإنسان أتعجب لسلوكيات بعض مثقفينا المعاصرين بل أن بعضهم يذهب للتنظير ويروج
لثقافات لاتمت لليمن بصلة ، ويقزم أعمالنا الحضارية ويشيد بمن لا يستحق الإشادة
ويجهل كل شئ عن بلاده ؟؟؟ ويحاول استيراد أعمال وإرث مشوش يسوده العنف والفوضى ويذهب لسلخنا عن
محيطنا الطبيعي وتحجيم دورنا التاريخي ..!! ولعلل ربما تكون ثأرا شخصيا .. أرجو
أن نصحح مفاهيمنا وأن تقام البحوث والندوات وتدرس الأثار بعناية .. وتجرد
وفهم ..ووطنية .
أمين محسن أبوطالب |
الحضارة
اليمنية موغلة في القدم بحيث يصعب تتبع الكثير من مميزاتها وخصائصها الإنسانية ما عدا ما هو ظاهر
وبارز للعيان وموجود على أرضية الواقع المعاصر ، كاللغة العربية وشقيقاتها من اللغات السامية ..
الحية منها : لغات شعوب الهضبة الحبشية المتفرعة من اللغة الجعزية
والعبرية ، أو المحصورة في إطار معين كالطقوس الدينية ومنها الكلدانية
والآشورية والسريانية ، وما إنقرظ وترك أثرا مثل الآرامية والنبطية
والفينيقية والأكادية ، وهناك لهجات من العربية
الأم (اليمنية) تحتضر كلهجات المهرة (الشحرية) وساحل ظفار وجزيرة سقطرة ،
وكانت توجد لهجات أخرى مشابهة بالبيضاء وشبوة ولايزال بعض من كبار السن
يعرفون شيئا عنها .. واللغة
ليست إلا دليلا قاطعا على مستوى حضارة الإنسان اليمني المتطورة في تلك الحقب الغابرة من الزمن ، أما
الأنشطة الإنسانية لهذه الحضارة فقد ترجمت إلى عدة أعمال ملموسة إلى جانب
اللغات ذات الجذور الواحدة ، والأنشطة تمارس
بشكل تقليدي ومتجذر منها الأعراف الاجتماعية
كقوانين ، وما عرفت به اليمن من فنون وآداب ، أو النشاطات اليدوية
كتطويع الحجارة وصهر المعادن وأنظمة الري المتطورة بما فيها السدود
وأقنية الري والصهاريج ، ثم إقامة المدرجات الزراعية بالجبال واستغلال كل
قطرة ماء والاستفادة من كل ما هو متاح في بيئة صحراوية جبلية صعبة الترويض
والمسالك ، لكن إرادة الإنسان اليمني كانت أقوى من كل التحديات والظروف ، ومع تلك الطبيعة المعقدة
والغير مستقرة من تصحر وكوارث وزلازل ... لم يكل عزم ذلك الإنسان ولم يفل ،
وأتخذ من الهجرة مسلكا ومخرجا ... وكانت نعمة كبرى للبشرية .. بأن صدر ذلك الإنسان كنوزه الحضارية
وأفكاره النيرة فتكونت شعوبا وحضارات كفروع لشجرة الحضارة اليمنية أو ما
أتفق على تسميته لاحقا بالشعوب السامية ، أو الأمم السامية التي تتشابه أساليبها الحضارية ولغاتها
وكذا إنسانها ، وإن يكن اختلاطهم بأمم أخرى لاحقا ميز المجتمعات الجديدة بسلوكيات معينة
قد لا تمت إلى اليمن بصلة .. كسلوك إكتسابي نتيجة التمازج والإختلاط ،
وكانت قسوة الطبيعة وكوارثها سببا رئيس لهجرة اليمنيين الذين تركوا بصامتهم وطابعهم المميز
على الأمم والحضارات الجديدة وأعطوها بعدا إنسانيا متمدنا ، كما أن أدابهم وعاداتهم
السامية الراقية أخذت حيزا كبيرا في عملية التصدير الحضاري .. وسبق
أن هاجر الإنسان اليمني غربا وفي وقت مبكر جدا .. إلى الهضبة الحبشية حيث
أختلط الجنس اليمني بالجنس النيلي وأفرز الاختلاط شعوب هذه الهظبة بملامحمهم المتميزة
والتي تمتد لتشمل سكان مصر الأوائل وما بقي من لغتهم التي لايزال شيئا منها بأسوان بجنوب مصر
وشمال السودان وهي النوبية التي بها الكثير من اللغة الجعزية أم لغات الحبشة وبنت اللغة اليمنية
القديمة ، مما يدل على أن الجنس الأفرويمني زحف شمالا ومع نهر النيل
وأستوطن مصر ، أما شمالا وشرقا فقد زحف اليمنيين عبر السلاسل الجبلية والصحاري إلى منطقة الهلال
الخصيب ليكونوا ما نسميه بالحضارات السامية .. ومثال
من الإمارات العربية ومن الشارقة في فضائيتها
بثت المجلة الثقافية مشهدا لمكتشفات تعود لمستعمرات إنسانية بالعصر
الحجري ، أسلوب الحياة عامة دفن الموتى سلوك البشر عباداتهم تؤكد إنتمائهم للحضارة اليمنية بما في
ذلك قنوات الري وعبادة الشمس ، مما يوثق لفوج مبكر من الهجرة اليمنية . وتطور
الإنسان اليمني فيغزو عالم البحار ليقدم للإنسانية أول أنظمة ملاحة وتجارة بحرية ، وترجم بحارة
اليمن من المهاجرين الأول وهم الفينيقين تلك الحقبة بكل وضوح بل وجلبوا معهم الأبجدية والرموز
الكتابية وأساليب الملاحة والتجارة ولغة وآداب ونواميس كغيرهم من الشعوب السامية اليمنية . لم
يكن البحر المتوسط فقط مسرح نشاط البحارة ذوو الأصول اليمنية ، بل كان المحيط الهندي قد سبق
لليمنيين ارتياد شواطئه ، يدلل على ذلك أن معظم أساطير أو حكايات المجتمعات الفينيقية وفلسفتها
العقائدية تعتمد على أساطير وقصص مسرحها المحيط الهندي بشواطئه وجزره وعلى
رأس القائمة جزيرة سقطرى موطن طائر الفينيق ..! ولايزال التأثير اليمني واضح الملامح في كافة الشواطئ
الإفريقية والأسيوية في ذلك المحيط من مفردات لغة وعادات اجتماعية وفنون
أدائية وحرفية وحتى الملابس . هجرة
الإنسان اليمني قديما وحديثا كانت نعمة للبلدان التي يستقرون بها لما يحملون من إرث حضاري يجسده
ثقافة وسلوك وأدبيات متمدنة راقية ، مما يجعلهم محل الترحاب والإقتداء ..
ومن الأدلة المعاصرة في التاريخ الحديث أي بعد الإسلام نجد أن المهاجر اليماني من حضرموت أو المهرة
أو غيرها نرى ذلك التاجر البحار يهتدي به
مئات الملايين في شرق وجنوب آسيا والشواطئ الإفريقية ويدخلون في دين الله ...
الإسلام . |
|
نشرت بصحيفة 26 سبتمبر اليمنية العدد 984 بتاريخ 8/11/2001م |
|
![]()